يوم أن سبقني أبي
"أنا تعبان .. أنا مريض .. لا أستطيع الحركة .. لا أستطيع الوقوف."
ينهج أبي حين يقوم من مجلسه ويضع كمام تنفس كي يزيد
من نسبة الأكسجين المتناقصة في جسمه.
لا أدري كيف كان أصدقائي وزملائي حين أسألهم عن صحة آبائهم يقولون "أبي مريض" أو "أبي لا يستطيع أن يذهب معنا, ادعوا له بالشفاء". لا أدري كيف كانوا ينطقون بهذه الكلمات. ترى, هل اعتادوها؟ لا أصدق أن هذه كلمات يسهل اعتيادها. أبي الذي طالما تمتع بالصحة طوال حياته، يتحرك بنشاط ويتكلم بصوت يصل لكل الحاضرين ويجلس فيكون أكثر المتواجدين حضوراً.
لا أريد أن أعود بالزمن إلى ما قبل مرض أبي، أريد الله أن يشفيه ويخرجه من المشفى وألا يعود إليها أبداً. كما لا أريد أن تتحول ذكرياتي معه إلى ذكريات. لا
أريد أبي في ذكرياتي, أريده في الحاضر. أريد أن أشكر الله على دوام نعمته لا على
ابتلاء حرماني من أبي. لا أريد أن أمر بهذه التجربة. لا أريد أن أقول مثل هذه
الكلمات التي سمعتها من قِبل آخرين ولم أتخيل مرة أن ينطقها لساني. كيف ينطق لساني أن أبي مريض وهو لم يمرض في حياته إلا ببعض نزلات البرد كل بضع سنوات؟ أبي - الرجل الطويل
الذي أعشق حضنه لهيبة جسمه وقوة أصابعه حين يضع يده على رأسي. لا! لا أريد ان
أفكر في هذا الآن. مثل هذه الذكريات أصبحت مؤلمة. أتردد بين التمسك بها كي
لا تندثر وبين اعتزالها كي أستطيع أن أمضي قدما. فأنا لا أريد مستقبلاً دون أبي.
الأمر بهذه البساطة يا الله. لقد دعوتك ألا تبتلني في أبي، فلم ابتليتني
به؟ هذه الأيام تمر بطيئة وطويلة. يبدو لي أن اليوم الذي سأقول فيه (إن
لبثنا يوماً أو بعض يوم) بعيداً كل البعد. لستُ واثقة أن المستقبل الذي سطّره الله لي متوافق مع رغبتي في أن أعيش عمراً مديداً وأموت عجوزاً. سأعيش سنوات طويلة دونه، أو سيأخذ الله روحي الليلة لأني قرأت سورة الملك ونمت على جنبي الأيمن ومستعد تماماً لاستقبال ملك الموت. قد أتكاسل عن قراءة السورة يوم غد، فأرجو أن لا يأتي إن لم أقرأها. لا أستطيع أن أفكر في حسن خاتمتي فجل ما أفكر به هو أبي.
أشعر أن أخي يتحمل أكثر منا جميعاً, وأنه يشعر بعبأ مسؤولية جديدة ومختلفة لم يدركها من قبل. أريد أن أقول له ألا يشعر بذلك. أخي في التاسعة والعشرين من عمره ولا أريده أن يتعدى عمره وينضج كثيراً, أريده أن يظل في ال29 وأن يكبر بمرور الوقت لا بثقل المسؤولية.
مؤخراً, أدعو ربي فأجده يكتب لي قدراً مختلفاً عما أريد. قرأت منشوراً عن رجل اعتاد أن يدعو الله في كل شيء - حتى في أتفه الأمور, فإن استجاب له ربه كان به ونال ما أراد, وإن لم يستجب فقد نال حسنات وقدراً خيراً مما دعا به. هذه الخاطرة تمدني بالقوة والصبر كي أحتسب الأجر والمشقة على الله.
ربما لم أدعو بما فيه الكفاية؟ سأكثّف الدعاء الليلة في القيام، القيام الذي أصليه عندما أريد طلب أمنية أو تسهيل من الله. سأكثّف الدعاء وبهذا سأعلم، إن استجاب لي ربي
فهنيئاً لي، وإن لم يستجب فهنيئاً بالخير الذي رزقني إياه دون أن أعلمه. وبهذا أكون
قد نلت اليقين. صدقني، يا أبي، أنا لا آبه لأي شيء الآن سوى باليقين، فدونه لن أجد الصبر، ودون الصبر لن أتحمل أي شيء. فقط اليقين ب"الحمد
لله في السراء والضراء"، واليقين ب"لعله
خير" التي أشعر بثقلها على لساني وخاطري مؤخراً. أريد بعض يقين موسى حين رأى
البحر أمامه والجيش وراءه.
لقد اكتشفوا دواءاً لداء السكري يا أبي، قد يكتشفوا علاجاً لورمك قريباً. أتمنى ذلك. أتمنى لو كنتُ قد تخرجت من كلية الطب، كنتُ سأقدر على فعل
المزيد من أجلك، لكني لست طبيبة. أهوى الكتابة فقط، ولم أكمل ما كتبت بعد. أريدك أن
تقرأ ما كتبت، فأنت من ألهمني إحدى كتاباتي. هناك قصة أعلم أني لو قرأتها لك لأعجبتك. ستقوم بنقدها بالتأكيد كما تحب أن تنقد الأعمال الفنية، فأنا مثلك أنقد كل شيء حتى
الأشياء التي لا أعيها تماماً.
يا الله .. لستُ حريصة على الدنيا وما فيها، لكن لا أريد أن أمر بهذه الرحلة القصيرة من دون أبي.
يا الله .. أريد أن ألحق به أو أن تتركه ليعيش
معي حتى آخر يوم في حياتي. لقد تأكدت من حدسي أنك مصاب بورم في الرئة - في نفس اليوم الذي تنزل فيه حلقة جديدة من أنمي أتابعه وأحبه
كثيراً لكني لم أستطع مشاهدته، ولم آكل حتى ذاك اليوم، فكنت أفتقدك كثيراَ يا أبي.
اللهم اجعل كل أوقات أبي خير، نهاره ومسائه، ألبسه وكل
مريض لباس الصحة والعافية واجعل مرضه شفيعاً له، عافه واعف عنه، اشف أنتَ الشافي لا شافي إلا أنت، بيدك كل شيء في السماوات والأرض وما بينهما، بيدك مصير أبي ومصيري،
بيدك قلبي فاربط عليه وهون عليّ.
****************
اليوم التالي:
ذهبتُ لأرى أبي وهو نائم في العناية
المركزة. ظل أخي يمهّدنا لما سنراه في الدور الخامس في قسم الباطنية الذي ينام فيه أبي. لم أرد أن أذكره أني أعي تماماً ما سنراه، فقد رأيته من قبل في مرض والدة صديقتي شروق رحمة الله
ونوره عليها. أعي هذه اللحظات التي نعيشها لأني عشتها معها حين مرضت أمها. أسمع أقاربي وجيراني يزعمون أنه من الجيد أني رأيتك اليوم، لكني لا أشعر بالراحة إلا لأني تحدثت معك، في حال كنت تشعر بوجودي ولمسة أصابعي على جلدك الرقيق. لا أحتاج صورتك على هذه الحال في مخيلتي ولا في
ذاكرتي، فأنا أعيها جيداً. ستكون مؤلمة
ومجهدة لقلبي الثقيل. لو أخرجوني بعد بضع دقائق من دخولي إليك لتأزّمت نفسياً، لكني جلستُ معك وتحدثتُ وأغمضتُ عيني بضع دقائق ووضعتُ جبيني على يدك الباردة.
لم كانت يدك باردة؟ بينما كانت رأسك دافئة، بها بعض العرق ولكن لا بأس بذلك. قبّلتك على جبينك
وتمنيت لو أنها لم تكن آخر مرة. أريد أن أقبّلك وأنت واع. لا أدرك قيمة القبلة
وأنت نائم. لا أحتاج لهذا النوع من إظهار الحب، ولكني وجدت نفسي أفعلها برغم ذلك.
لا بأس بذلك.. لا بأس. سأفكر في مواضيع جديدة أحدثك عنها إذا تقابلنا غداً، فأنا لا أريدك أن تمل من محادثاتي. تصبح على خير، بابا.
مات أبي في اليوم ذاته. أرسلت رسالة إلى شروق كما أرسلَت هي لي لحظة وفاة أمها - عليها رحمة الله - وأخبرتني بخبر وفاة والدتها. خرجتُ من البيت إلى المشفى مع أسرتي وجيراني إلى حيث جسد أبي، وشعرت بسخرية القدر الذي سمح لي أن أقبّله على جبينه مرة أخيرة كما تمنيت تماماً ...
لقد صدّقت مقولة أختي الكبرى يومها أن هذا هو الخير. لم تكن سخرية قدر، فالقدر خيره وشره من الله. فقد كان أبي سيتعب كثيراً, أو ربما أكثر, لو لم يستضفه الله تحت رعايته وكرمه. فالليلة لا أقول لك تصبح على خير يا أبي بل أقول تصبح على رؤية مقعدك في الفردوس الأعلى يا بابا.